إجراءات الدراسة في البحوث الاجتماعية والتربوية

٣ أغسطس ٢٠٢٣
البحّاث العلمي
إجراءات الدراسة في البحوث الاجتماعية والتربوية

إجراءات الدراسة في البحوث الاجتماعية والتربوية

ينبغي على الباحث عند كتابة إجراءات الدراسة أن يفكر في المدى الزمني الذي ستتم فيه خطوات تنفيذ البحث، وهذا المدى الزمني timeline جانب أصيل في مقترحات الخطط التنفيذية research proposals. كما أن بعض الجامعات تلزم الباحث – والمشرف – بتقديم تقرير شهري أو دوري عن المراحل التي تم إنجازها طبقاً للمدى الزمني المذكور في إجراءات الدراسة بالخطة المعتمدة.

أقول أنه ينبغي للباحث في برامج الماجستير والدكتوراه أن يضع نصب عينيه أهمية المدى الزمني وإن لم يستطع السيطرة عليه، فالأمر يعتمد على تنظيم تسلسل الخطوات أكثر من التنفيذ الفعلي حسب مخطط المدى الزمني. ونحذره من استنساخ خطوات إجراءات الدراسة من خطط الزملاء السابقين أو الرسائل السابقة، فكل خطوة تكتب في الخطة هي في الحقيقة حصيلة مجهود يبذل وقراءات تتم وليالي يسهر فيها الباحث على القراءة والتحليل والكتابة وإعادة الصياغة وبناء الأدوات وتصحيح الاختبارات ومعالجة البيانات إلخ.

وعلى العموم، فإن الخطوات الثابتة في مخططات الأبحاث التجريبية في العلوم التربوية ينبغي أن تبدأ بـ:

  1. استمرار الاطلاع على الدراسات السابقة و تحليليها والإفادة منها. وهذا البند لا ينبغي أن يكون منقطعا فينتهي ثم ننتقل إلى ما بعده، بل هو بند مستمر باستمرار الرسالة حتى يوم المناقشة وربما بعد المناقشة كذلك إذا كان ثمّ تعديلات عليها حتى يوم تسليمها النهائي للقسم. ولذلك قلنا (استمرار) و ليس الاطلاع مباشرة. والسبب في ذلك هو أن الدراسات تتوالى يومياً في موضوع البحث، وما أطلع عليه الباحث ربما يفيد ولكن الاطلاع على الجديد والأحدث -بالتأكيد – أكثر فائدة ويجعله أكثر إلماماً بالموضوع حتى قبيل تقديم البحث بشكل نهائي. وأذكر أنني أثناء المراجعة التنسيقية النهاية لرسالة الماجستير، وجدت دراستين نشرتا في نفس اليوم، فضممتهما ضمن فصل الاطلاع على الأدبيات وغيرت بناء على ذلك في مناقشة النتائج بما يناسب نتائج الدراستين الأحدث، وأثر هذا على ترقيم الصفحات وعلى حجم الرسالة على العموم، لكنه كان ضرورياً لتكون الرسالة شاملة لأحدث ما تم في الموضوع إلى لحظة النهاية.
  2. الخطوة الثانية من خطوات الإجراءات هي بناء التصور النظري الذي سينبثق منه البحث الميداني. وهنا يلجأ الباحث للكتب المرجعية والمقالات النظرية review articles التي ترسخ المبادئ العامة للمتغير التابع وطبيعته وللمتغير المستقل وأهميته. وينبغي أن يُطعّم هذا التصور بنتائج البحوث السابقة، للتأكيد على مضامينها، وأما أن يفرد باب في الرسالة للإطار النظري وأخر للدراسات السابقة فهو غير طبيعي وغير مناسب؛ لأن الإطار النظري لا قيمية له بدون دراسات ميدانية تؤكد أهميته وفعاليته. والدراسات السابقة ليست تلغرافات تثبت أن الباحث قد اطلع عليها فقط، بل هي منبئات وأدلة وشواهد على فعالية الجانب النظري ومتغيرات الدراسة. ولذلك فإن عملية ترتيب الدراسات السابقة تاريخياً – سواء من الأحدث للأقدم أو من الأقدم للأحدث- ينبغي ألا تكون الطريقة الوحيدة المتبعة لعرض الدراسات السابقة، بل الأفضل من ذلك – في رأينا- هي أن تتلبس الدراسات المختلفة بالمفاهيم النظرية المقدمة؛ فيكون لكل مبدأ من المبادئ وكل مفهوم من المفاهيم وكل بند من بنود الأهمية دراسة تؤكد هذا الجانب وتعززه أو تشكك فيه وتبين القصور فيه. والباحث غير معني بإثبات كفاءة المتغيرات التي اختارها، وإلا فلا داع للتجريب، وعمل الباحث الأساسي هو تحقيق النزاهة في بحث الموضوع بكل جوانبه، إيجابياته وسلبياته، نجاحاته وإخفاقاته.
  3. الخطوة الثالثة هي البدء في تصميم أدوات الدراسة، وهي الأدوات التي ستستخدم لجمع البيانات الخام للدراسة، سواء كانت هذه البيانات درجات الطلاب – وفيها يستخدم الاختبار-، أو آرائهم وفيها يستخدم الاستبيان، أو أدائهم- وفيها تستخدم بطاقات الملاحظة. وترتيب هذه الخطوة طبيعي بعد تكون التصور النظري الذي يبين آليات عمل المتغير المستقل وتأثيراته المثبتة في الدراسات السابقة. لذا يبدأ الباحث بعمل مسودة الاختبار أو الاستبيان او الملاحظة، ثم يراجعها مع مشرفه، ثم يعدل فيها بناء على هذه المناقشة، ثم يقدمها للمحكمين الخبراء لاستطلاع آرائهم، ثم يعدل مرة أخرى، ثم يعمل على تقنين الأدوات من خلال الإحصاء بحساب الصدق والثبات سواء صدق الاتساق الداخلي أو الارتباط بين المفردات أو غير ذلك من خلال تطبيق الأدوات أولياً على عينة مستقلة من عينات المجتمع. ومما يغفل عنه الكثير من الباحثين ضرورة كتابة تقرير عن هذه الدراسة الاستطلاعية، فرغم أنها تمت فقط للتأكد من صدق وثبات الأدوات إلا أنها مهمة لتوثيق ما قام به الباحث بالتفصيل، ومثل هذا التقرير يرفق في ملاحق الرسالة في النهاية كأحد الشواهد على دقة بناء الأدوات. وهذا التقرير يشابه مقالاً صغيراً به طرح أولي rationale وتوثيق لخطوات بناء الأداة وطبيعة العينة التي طبق عليها وما حصل في تطبيق الأداة والملاحظات الإضافية، والنتائج المترتبة على التطبيق وأهمها بالطبع التعديل في بنية الأداة لتناسب هدف البحث الأساسي. وهذا التقرير للدراسة الاستطلاعية قد يفيد الباحث كثيراً إذا طُلب منه نشر أحد الأبحاث المستلة من موضوع الرسالة قبل التصريح بالمناقشة – كما تفعل بعض الكليات والجامعات- فيكون التقرير جاهزاً للنشر باعتباره بحث مستقبل الهدف منه التوصل إلى أداة يعتمد عليها.
  4. في هذه الخطوة يبني الباحث المادة التعليمة التي سيستخدمها إن كان هناك تدخلا تجريبياً، ويخضعها كذلك للتحكيم، ولا ينبغي أن يخضعها كلها، بل يكفي مصفوفة المدى والتتابع بها scope and sequence ونموذجاً من الدروس المستخدمة، لتبين الإطار العام للمادة المنتجة.
  5. ثم تأتي خطوات التنفيذ العملي لتطبيق الدراسة بكل جوانب الاحتياطات المتخذة في عمليات التطبيق، بداية من اختيار العينة المناسبة، ومروراً باستبعاد الفئات التي لا تنطبق عليها شروط التكافؤ بين المجموعتين، والعمل على استبعاد تأثيرات التحيزات المسبقة أو أخطاء التطبيق مثل: تأثير بيجماليون أو تأثير هنري جيمس أو غيرها ( وسنكتب فيها مقالا مخصصاً لاحقاً)، ووصولا إلى تطبيق التجربة بالاختبار القبلي ثم المادة التعليمية ثم الاختبار البعدي.
  6. ينبغي هنا التأكيد على أن عمليات التقويم لا تقتصر على الاختبار البعدي فقط، لأن عمليات التدخل شهدت تطوراً وتغيراً طرأ على الطلاب طوال التجربة فلابد من توثيق هذا التغير من خلال نتائج التطبيقات القصيرة quizzes أو التكليفات العملية assignments أو تحليل منتوجات الطلاب content analysis ليشكل ذلك كله نتيجة متراكبة من التقويم التكويني formative evaluation تضاف إلى التقويم التجميعي summative evaluation المتمثل في الاختبار البعدي.
  7. ثم تأتي مرحلة المعالجات الإحصائية، ونؤكد فيها على ضرورة أن يفهم الباحث سبب اختيار هذه الأساليب الاحصائية بالذات ومعنى عباراتها، ودلالة أرقامها والخطوات التي تمت للوصول للنتيجة، والأفضل طبعاً أن يقوم الباحث بهذه المعالجات الإحصائية بنفسه، فإن لم يستطيع – نتيجة ضعف البناء العلمي في الإحصاء – يمكنه أن يلجأ إلى أحد المتخصصين في الإحصاء التربوي بشرط أن يلازم الخبير ويفهم الخطوات ويعيد تنفيذها ويفهم دلالة النتائج والأرقام، لأنه – الباحث- وحده المنوط به تفسير هذه النتائج والتعليق عليها.
  8. عملية التفسير والتعليق على النتائج ليست مجرد وصف للموجود بالجداول، لكن ينبغي أن تناقش لم ظهرت النتائج بهذا الشكل وما العوامل التي تمت ملاحظتها أثناء التجريب والتي أدت إلى هذه النتائج، وما الخلفيات الاجتماعية والأكاديمية والاقتصادية والثقافية والسياسية وربما الدينية للمجتمع والتي تفسر ظهور النتائج على هذا النحو. وينبغي أن يتحلى الباحث – ومشرفه- بالشجاعة للاعتراف بالتقصير – إن كان ثمّ- في عمليات التعيين أو التطبيق، خاصة في حالة عدم القدرة على إعادة التطبيق لتلافي الأخطاء.
  9. وأخيراً تأتي مرحلة التوصيات والمقترحات تتوج هذه الرحلة المضنية من العمل الدؤوب والعيش المتواصل مع موضوع البحث. و هذه المرحلة لابد أن ترتبط بنتائج البحث، فالهدف من البحث التجريبي الكمي هو تعميمية النتائج generalizability، لذا تكون التوصيات تركز على تعمم النتائج المفصلة. أما البحوث الكيفية والوصفية مثلا فلا ينبغي أن تطالب بتعميم النتائج لأن الهدف منها من البداية هو تحقيق الفهم لحالات معينة أو وصف ظاهرة معينة في مجتمع معين قد لا تنطبق مواصفاته على غيره من المجتمعات البحثة.

وفي كل الأحوال فإن إجراءات الدراسة هي حلم يحلم به الباحث ويعيش معه ويعمل على تحقيقه وتنفيذه على مراحل، يشطب في كل مرة منها أمام خانة البند الذي يمثلها، وينتقل – بكل دافعية للعمل والإنجاز- إلى المرحلة التالية حتى ينهي المشروع كاملا، ثم يكون التقرير – الرسالة- هو حصيلة كل ما حدث بأسلوب علمي راق وتفصيل غير مخل يرصد كل ما حدث وما ترتب عليه.